ولكن لا بأس أبا القاسم فرغم كل هذه اللوحة السوداوية،فعلينا أن لا نستوحش طريق الحق لقلة السائرين فيه،والرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام يقول"الخير في وفي أمتي إلى يوم الدين"،ولو الخوف من مراجع الإفتاء الأنظماتية والسلطانية،وقصفي بصواريخ مطورة من فتاوي التكفير والتخوين والزندقة،لقلت أن هذه الأمة من محيطها إلى خليجها ،كفت عن الإنجاب وأصبح يحكمها المخاصي من محيطها الى خليجها،وثورة تبقي أسراها في السجون أكثر من ثلاثين عاماً،مهما كانت الحجج والذرائع فهي مخصية.
حملتهم أنت وغيرك من جنرالات الصبر وكل عمداء الحركة الأسيرة المسؤولية عن بقائكم هذه المدة الطويلة في سجون الاحتلال،فهم فاقدي الإرادة ولا يولون قضيتكم الاهتمام الكافي، ابدأها من السلطة بشقيها أو جناحيها واختمها بأصغر فصيل فلسطيني،ستسمع نفس الجمل والعبارات والديباجات المنمقة.
أبو القاسم واحد من القيادات الاعتقالية للحركة الأسيرة إلتقيت به وتعرفت عليه في سحن عسقلان عام 2001،وكان من أبرز قيادات حركة الجهاد الإسلامي على مستوى السجون،وهو إنسان يميل إلى الهدوء،والنقاشات الجادة والعلمية،وليس بالإنسان المغلق أو أصحاب نظريات الإقصاء أو التخوين والتكفير،مهامه ومشاغله كثيرة،وخصوصاً أن انتفاضة الأقصى ،طالت المئات من أنصار وأعضاء حركة الجهاد الإسلامي في الضفة والقطاع،وهذا الجيش بحاجة إلى التوعية والتنظيم والتعبئة والتعريف بالواقع الاعتقالي،ومخططات إدارات السجون وأجهزة مخابراتها في الإيقاع بالمناضلين،ومحاولة كسر إرادتهم وتدمير معنوياتهم والانقضاض على منجزاتهم ومكتسباتهم.
وأبا القاسم رغم كل مشاغله التنظيمية ودوره الحزبي الداخلي،باعتباره العنوان الأبرز لحركة الجهاد في سجون الاحتلال،كان يجد المتسع للتفاعل الوطني والحديث عن الهم الإعتقالي العام والأوضاع السياسية،وكان يتحدث بمرارة وحسرة وألم عما آلت إليه أوضاع الحالة الفلسطينية الداخلية من انقسام وانفصال،وما تركته من الكثير من المخاطر والتداعيات السلبية على واقع الحركة الأسيرة الفلسطينية.
وأبو القاسم المعتقل منذ 30 /1/1980، تنقل بين الكثير من سجون الاحتلال،هذا الاحتلال الذي يلجأ الى الترحيل الدائم للقيادات الإعتقالية،لمنعها من بناء وإقامة بنية تنظيمية مستقرة،وكذلك من أجل كسر إرادتها والتأثير على معنوياتها،والعمل قدر الإمكان على الحد من دورها وتأثيرها تنظيمياً وإعتقالياً.
وأبو القاسم شارك في كل المعارك الإعتقالية،معارك الأمعاء الخاوية،دفاعاً عن حقوق ومنجزات الحركة الأسيرة الفلسطينية في وجه إدارات السجون،وكان نصيبه أكثر من مرة العزل في الزنازين وأقسام العزل في مختلف سجون الاحتلال،ولكن هيهات أن تنال منه لا السجون ولا أقسام العزل ولا الزنازين،وفي كل مرة يعزل فيها يزداد صلابة وقناعة وإيماناً بحتمية الحرية والنصر.
وأبو القاسم في سنوات إعتقاله الطويلة،مر عليه عشرات ألاف الأسرى ممن تحرروا من الأسر،وبقي أبو القاسم يودع أسرى ويستقبل أسرى وما زال على هذا المنوال أملاً بحرية قريبة،كما أنه مرت عليه لحظات وأيام صعبة وقاسية،والقول له هنا"لقد صدمت وحزنت جداً وشعرت بمرارة كبيرة عندما تم شطب أسمي أنا ومناضلين آخرين من صفقة التبادل عام 1985،ومما خفف عني أنها شملت المئات من الأسرى من ذوي الأحكام العالية،وأيضاً بعد أوسلو مر علي أنا وأخوتي ورفاقي من أسرى القدس والثمانية وأربعين عشرات عمليات الإفراج،ولم تطل أياً منا كوننا من القدس والثمانية وأربعين،ولتنازل المفاوض فلسطيني وتخليه عنا طواعية،وفي هذا السياق روي لي في سجن عسقلان عام 2001 الأسير المقدسي ياسين أبو خضير الذي دخل عامه الثالث والعشرين،"كم كانت صدمتي كبيرة وشعرت بخيبة أمل كبيرة،ولم أخفي سخطي وعدم ثقتي بالسلطة والأحزاب والتنظيمات"،فبعد عملية إفراج في مرحلة ما بعد أوسلو قال"جاء الشرطي الى باب غرفتي وأبلغ كل الأسرى الموجودين فيها،بأنه سيفرج عنهم،وبقيت في الغرفة وحيدا،وكما كان هذا الوضع محبطاً وصادماً لي ولغيري من أسرى القدس والداخل"،أما الأسير الرازم وحول ذات الموضوع فيقول"هذه المواقف المحبطة من صفقات الإفراج وعمليات التبادل بلورت عندي موقف داخلي بأن لا أثق بأي حديث عن عملية إفراج حتى أكون في القدس بين أهلي وبصحبة زملائي الأسرى القدماء،وأصحاب الأحكام العالية وكبار السن والمرضى والأسيرات والأشبال".