|
|
|
|
 |
|
|
| 2010-02-01 |
| على أعتاب السجون (1)/رائد صلاح |
على أعتاب السجون" هو مطلع نشيدة ملتزمة طالما أنشدناها، ولا زلنا ننشدها حتى اليوم مرددين: ((على أعتاب السجون.. لا لن نذل ولن نهون))، وعلى ضوء هذه النشيدة الملتزمة قلت ولا زلت أقول: نحن قوم نحب الحرية، ولكن إذا خـُيّرنا بين السجون أو التنازل عن القدس والأقصى المحتلـَّيْن فإننا نهتف مؤكدين: مرحباً بالسجون، وسنتذوق حلاوة السجن لأننا سندخله عن سبق إصرار وقد اخترناه، ثمناً عاليًا -وإن كان حكمهم علينا بالسجن حكما تافها أقلَّ من أن نأبه به- لموقفنا المصرّ على الانتصار لحرية وكرامة وعزة القدس والأقصى رغم أنف الاحتلال الإسرائيلي الزائل زوالاً قريباً غير مأسوف عليه بإذن الله تعالى، ونحن على يقين أننا يوم أن ندخل السجن بهذه الكيفية، دخول رغبة لا دخول رهبة، فإننا لا نخسر حريتنا بل سننال حريتنا لأن السجن سيتحول لنا عين الحرية لا قيد الأسر، وعين النعمة لا وجع النقمة، وعين المنحة لا مرارة المحنة، وننشد طروبين في سجننا:
*يا ظلام السجن خيم إننا نهوى الظلاما*
*ليس بعد الليل إلا نور فجر يتسامى*
وسيزداد طربنا حتى يملأ صدورنا، وقبلها وبعدها سيقوى فينا الشعور الحي موقنين أننا الأحرار رغم السجن والسجان والقيد والحرمان، وأن غيرنا هم السجناء وإن عاشوا في قصور مشيدة من ذهب بين الحر والحرير والمعازف والقيان، وسنجد أنفسنا ملزمين أن نبشر كل أهلنا في كل الأرض من وراء قضبان الظلمة الزائلة صادحين وهاتفين:
*أخي أنت حر وراء السدود أخي أنت حر بتلك القيود *
*إذا كنت بالله مستعصما فماذا يضيرك كيد العبيد *
وهي حياة ما أجملها من حياة أن نعيش في السجن ونحن في قمة الاستعلاء، ومن هناك؛ من سمو ذاك الارتفاع الشامخ ننظر إلى السجان المسكين نظرة عطف وشفقة متسائلين: ما بال هذا المسكين يختار لنفسه عيش السجين وإن ظن نفسه سجاناً؟! ما بال هذا المخدوع لا يدرك أنه يوم أن حشا جيبه بمفاتيح أبواب السجن، ويوم أن أثقل يديه بحمل سلاسل الأقدام وقيود الأيدي، ويوم أن غذى معدته على مطبخ السجن، يوم أن رضي لنفسه كلَّ ذلك فقد رضي لنفسه أن يعيش رهين الأغلال حتى يموت بلا دمعة أسف عليه، لا من الأرض ولا من السماء، وهو الذي خاطبناه ولا زلنا نخاطبه منتصرين:
*ضع في يدي القيد ألهب أضلعي بالسوط ضع عنقي على السكين*
*لن تستطيع حصار فكري ساعة أو نزع إيماني ونور يقيني*
*فالنور في قلبي وقلبي في يدي ربي وربي حافظي ومعيني*
*سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي وأموت مبتسماً ليحيا ديني *
فهو السجن في مظهره ولكنه الربح المضاعف أضعافاً مضاعفة من ربح الدنيا بلا سجن، ولذلك أحببناه كما أحبه نبي الله يوسف الصديق عليه السلام، مرددين بكبرياء ما ردده من قبل بكبرياء (ربِّ السجنُ أحبُّ إليّ مما يدعونني إليه)!! نعم هو أحب إلينا عندما نحتضن من خلاله القدس والأقصى المحتلـَّيْن ولا نفرط بهما، صارخين في وجه الاحتلال الإسرائيلي أنه احتلال بلا سيادة ولا شرعية، ولأنه كذلك فوجوده في القدس والأقصى المحتلـَّيْن وجود باطل، ولأن وجوده فيهما وجود باطل فهو إلى زوال قريب غير مأسوف عليه. وإن ظن الاحتلال الإسرائيلي جاهلاً مغروراً أنه سيُسكت صوتنا إذا ما هددنا بعقوبات وسجون فسنظل نصرخ في وجهه نسمعه ونسمع الدنيا (رب السجن أحب إليّ مما يدعونني إليه). هو السجن؛ المدرسة التي كانت ولا تزال تتخرج منها قوافل الأحرار الكرام من علماء وأولياء وصابرين ومناضلين ومكافحين وصالحين. ولو نظرنا إلى سجل طلابها لوجدناه سجلاً طويلاً لا يزال يزداد، ولوجدنا فيه أسماء أنبياء وأسماء صحابة وأسماء تابعين وأتباع تابعين وأسماء سلف وخلف وأموات وأحياء، ولو أردنا أن نتعرف على كل طلابها لما استطعنا إلى ذلك سبيلا. كيف لا، وهم مئات الآلاف وأكثر؟
ولكن دعونا نتعرف على عجالة على بعض طلابها، ولنبدأ بالطالب الصابر الباسل أحمد بن حنبل، قدس الله سره، الذي دخل محنة السجن يوم أن قام أحد أعوان المأمون ويدعى إسحاق بن إبراهيم وأحضر المحدثين والفقهاء والمفتين وفيهم أحمد بن حنبل وأنذرهم بالعقوبة الصارمة والعذاب العتيد إن لم يقرّوا بما طلب منهم المأمون؛ وهو القول بخلق القرآن، فنطقوا جميعاً بما طـُلب منهم إلا أربعة ربط الله على قلوبهم، واطمأنوا إلى حكم الله، وآثروا الباقية على الفانية، ولم يرضوا الدنية فيما اعتقدوا، فأصروا على موقفهم إصراراً جريئاً، وهم أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري وسجادة، فشُدوا في الوثاق وكـُبّلوا بالحديد، وباتوا ليلتهم مصفدين في الأغلال، فلما كان الغد أجاب سجادة إسحاق بن إبراهيم فيما دعاهم إليه بأمر من المأمون، فخلـّوا عنه، وفكوا قيوده.
وهكذا كان الإمام أحمد بن حنبل واحداً من أربعة فأصبح واحداً من ثلاثة، ثم ماذا؟! في اليوم التالي أعيد السؤال على الثلاثة، فخارت نفس القواريري، وأجاب إسحاق بن إبراهيم إلى ما طلب منهم، ففكوا قيوده وبقي اثنان، وهكذا بقي الإمام أحمد بن حنبل واحداً من اثنين، فسيق هو ومحمد بن نوح في الحديد ليلتقيا المأمون في طرطوس، فاستشهد محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه الإمام أحمد، وهكذا بقي الإمام أحمد وحده. ويا له من موقف أثقل من الجبال! كيف لا وقد وجد نفسه وحيداً في الطريق، ووحيداً في نصرة الحق، ووحيداً في محنة شديدة عرف متى بدأت ولكنه لم يعرف متى ستنتهي! ولكن وبعد توكله على الله تعالى ما أعانه على الثبات أن جاءه أعرابي يدعى جابر بن عامر والإمام أحمد يرسف بقيوده في طريقه إلى المأمون، فسلم على الإمام أحمد وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تـُقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا، قال الإمام أحمد: وكان كلامه مما قوّى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الذي يدعونني إليه، ومما ملأ قلب الإمام أحمد بالثبات بعد المدد من الله تعالى أن كتب أهل المطامير إلى أحمد بن حنبل: إن رجعت عن مقالتك ارتددنا عن الإسلام، ومما زرع في الإمام أحمد الإصرار على التصدي للظلم وتحديه بعد حفظ الله تعالى أنه لما أُخرج للسياط ومُدّت يداه للعـقـّابين إذا بشاب يجذب ثوبه من ورائه ويقول للإمام أحمد: تعرفني؟ قال الإمام أحمد: لا، قال: أنا أبو الهيثم العيّار الطـّرار، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضُربت ثمانية عشر ألف سوط بالتفاريق، وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين، فصبر الإمام أحمد منتصراً للحق، لا لشخصه بل حفاظاً على سلامة واستقامة مسيرة كل الأمة الإسلامية منذ أيام محنته حتى قيام الساعة، واشتدت تلك المحنة عليه وطالت، فبعد أن مات المأمون ولي الخلافة المعتصم وأبقى على الإمام أحمد في القيد تحت التعذيب، وذات يوم لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، وفي ذلك يقول الإمام أحمد: "فلم استطع أن أمشي بها فربطها في التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها، فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود، وليس معي أحد يمسكني، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق علي وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت به، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما أصبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد". وحاول المعتصم أن يكسر ثبات الإمام أحمد بلغة الإغراء تارة وبلغة التهديد تارة أخرى وبلغة التعذيب تارة ثالثة، ولكن هيهات هيهات، ظل الإمام أحمد في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، وكان وهو في السجن هو الذي يصلي في أهل السجن والقيود في رجليه، وخلال أشهر السجن وقع عليه من التعذيب ما لو وقع على فيل لقتله.
وفي ذلك يقول الإمام أحمد: "فأمر بي فقمت بين العقابين، وجيء بكرسي فأقمت عليه وأمرني بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له (يعني المعتصم): شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطاً فأغمي علي وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب يعود إلي عقلي"، وزيادة في وصف ساعات التعذيب التي مرت على الإمام أحمد يقول أحد السلف، ويدعى ميمون أبن الأصبع: "كنت ببغداد فسمعت ضجة فقلت: ما هذا؟ فقالوا: أحمد بن حنبل يُمتحن، فدخلت فلما ضرب سوطاً قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ضرب الثالث قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابع قال: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا) فضرب تسعة وعشرين سوطاً، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت، فنزل السروال إلى عانته، فرمى أحمد طرفه إلى السماء وحرك شفتيه، فما كان بأسرع أن بقي السراويل لم ينزل، فدخلت إليه بعد سبعة أيام فقلت: يا أبا عبد الله رأيتك تحرك شفتيك فأي شيء قلت؟ قال: "قلت اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي ستراً""، نعم هي الكرامات قرينة للابتلاءات كما أن الولاء قرين للبلاء، ولولا البلاء لادّعى الولاء الكثير، ولذلك لما صبر الإمام أحمد على القيد والسوط والجرح والعذاب فقد انتصر بإذن الله تعالى على السجن والسجان والظلم والظالم، وفي ذلك يقول الإمام أحمد بعد أشهر من السجن وبعد ساعات من التعذيب: ".... وقام المعتصم إليّ يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون:
ويحك! الخليفة على رأسك. فلم أقبل وأعادوا الضرب، ثم عاد فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إلي الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب، وأرعبه ذلك من أمري، وأمر بي فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي"، وكان ذلك في يوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين هجرية، ثم أمر المعتصم بإطلاقه إلى أهله، ولما رجع إلى منزله جاءه الجرايحي فقطع لحما ميتاً من جسده وجعل يداويه، فلما عوفي فرح المسلمون بذلك وفرح المعتصم، ذلك أنه ندم على ما كان منه إلى الإمام أحمد ندماً كثيراً. |
| |
|
| |
|
|